تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

k

موريتانيا نحو إنشاء وكالة وطنية للأمن السيبراني: ركيزة جديدة للسيادة الرقمية والأمن الوطني

الهجمات السيبرانية، والمخاطر المصرفية، وتسريبات البيانات، والذكاء الاصطناعي: لماذا يتعين على موريتانيا تسريع بناء منظومتها للدفاع السيبراني والاستفادة من التجارب الإفريقية والدولية؟

يدخل الأمن السيبراني في موريتانيا مرحلة استراتيجية جديدة. فمع تطور البرنامج الإقليمي للإدماج الرقمي في غرب إفريقيا (WARDIP)، وتعزيز شبكة الإنترانت الإدارية ذات النطاق العريض (RIAD)، والمبادرات المعلنة في أكتوبر 2026 بشأن إنشاء مركز للعمليات الأمنية السيبرانية (SOC) وفريق وطني للاستجابة للحوادث المعلوماتية (CSIRT)، أصبحت حماية الفضاء السيبراني ضرورة أساسية لضمان استمرارية مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن الاقتصادي، وصون السيادة الوطنية.

ويأتي هذا التوجه في ظل الرعاية السامية لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وقيادة حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي، وبإشراف معالي وزير التحول الرقمي، السيد أحمد سالم بده، في سياق مؤسسي شهد خطوات مهمة خلال السنوات الأخيرة.

ففي 22 أبريل 2024، صادق مجلس الوزراء الموريتاني على مشروع مرسوم يتعلق بإنشاء وكالة وطنية للأمن السيبراني والتصديق الإلكتروني. ولا يقتصر التحدي اليوم على تحديد الهيكل المؤسسي المناسب، بل يتمثل أساسا في تحويل هذه التوجهات إلى منظومة عملية متكاملة، تستند إلى إطار قانوني واضح، وتتمتع بالقدرات البشرية والتقنية اللازمة لضمان استمراريتها وفعاليتها. ومع ذلك، ينبغي التحقق من الوضع القانوني النهائي للوكالة ومدى دخولها حيز التشغيل لدى الجهات المختصة.

الأمن السيبراني: بُعد جديد للسيادة الوطنية

لم تعد حماية الدولة مقتصرة على تأمين حدودها الجغرافية، بل أصبحت مرتبطة أيضا بقدرتها على حماية شبكات الاتصالات، والأنظمة المالية، والبيانات الاستراتيجية، والبنى التحتية الرقمية، والخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.

فالإدارات العمومية، وشركات الاتصالات، والبنوك، ومنصات الدفع الإلكتروني، وأنظمة الهوية الرقمية أصبحت مترابطة بصورة متزايدة. وقد تؤدي ثغرة واحدة في أحد هذه الأنظمة إلى سلسلة من التداعيات، تشمل تعطيل الخدمات، وتحويل الأموال بطرق احتيالية، وتسريب المعلومات السرية، وتقويض الثقة في المؤسسات.

ومن خلال تجربتي المهنية في تكامل نظم المعلومات، وتأمين واجهات برمجة التطبيقات (APIs)، وإدارة الهويات، وحماية الخدمات الرقمية، يتضح أن الأمن لا يتحقق بمجرد اعتماد حلول تقنية متطورة، بل يتطلب أيضا حوكمة واضحة، وضبطا دقيقا للصلاحيات، وإمكانية تتبع العمليات، وإدارة مستمرة للثغرات، وقدرة على الاستجابة السريعة للحوادث.

وعندما تعتمد خدمة رقمية على عدة إدارات ومؤسسات ومزودي خدمات، تبرز أسئلة جوهرية: من المسؤول عن اكتشاف الحادث؟ ومن ينسق الاستجابة؟ ومن يملك صلاحية الوصول إلى البيانات؟ وكيف يمكن الحفاظ على الأدلة الرقمية؟ وكيف نضمن استمرار الخدمة أثناء الأزمات؟

على مستوى المؤسسة، تندرج هذه الأسئلة ضمن إدارة المخاطر. أما على المستوى الوطني، فإنها تمس مباشرة السيادة الرقمية للدولة.

إفريقيا أمام تصاعد الجريمة السيبرانية المنظمة

تعكس الأرقام التي نشرتها المنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول) حجم التحدي الذي تواجهه الدول الإفريقية. فوفقا لتقرير تقييم التهديدات السيبرانية في إفريقيا لعام 2026، ارتفعت الخسائر المالية المقدرة والمرتبطة بالجرائم السيبرانية المبلغ عنها ضمن نطاق الدراسة من 192 مليون دولار أمريكي سنة 2024 إلى 484 مليون دولار سنة 2025.

كما أشار التقرير إلى ارتباط الذكاء الاصطناعي بنسبة 55 بالمائة من الجرائم السيبرانية المبلغ عنها ضمن نطاق التحليل. ولا تعني هذه الأرقام أنها تمثل جميع الخسائر الفعلية في القارة، بل تعكس البيانات المتاحة للجهات المشاركة في إعداد التقرير.

المصدر: الإنتربول، تقرير تقييم التهديدات السيبرانية في إفريقيا لعام 2026.

وكان تقرير الإنتربول لعام 2025 قد أشار إلى أن أكثر من ثلثي البلدان الإفريقية المشمولة بالاستطلاع اعتبرت الجرائم الرقمية تمثل نسبة متوسطة إلى مرتفعة من إجمالي الجرائم المبلغ عنها. وفي غرب إفريقيا وشرقها، تجاوزت الجرائم المرتبطة بالفضاء الرقمي 30 بالمائة من الجرائم المبلغ عنها، وفقا لإجابات الجهات المشاركة.

وتؤكد هذه المعطيات أن الجريمة السيبرانية لم تعد مسألة تقنية محصورة في خبراء المعلوماتية، بل أصبحت تحديا يمس الأمن العام والاقتصاد واستقرار الخدمات الرقمية.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الخسائر المالية المقدرة، والحوادث المؤكدة، وعمليات اكتشاف البرمجيات الخبيثة، والشكاوى المسجلة؛ فلكل مؤشر دلالته ومنهجيته الخاصة.

المخاطر المصرفية: عندما يتحول الهجوم السيبراني إلى أزمة مالية

يُعد القطاع المالي من أكثر القطاعات حساسية، نظرا لما يتعامل معه من بيانات شخصية، ومعلومات حسابات، ووسائل مصادقة، وأنظمة تتيح تنفيذ التحويلات المالية.

وقد تستهدف الهجمات سرقة البيانات، أو الاستيلاء على الحسابات، أو تحويل المدفوعات بطرق احتيالية، أو تشفير الأنظمة، أو تعطيل العمليات. ولا تقتصر النتائج على تكاليف إصلاح الأنظمة، بل قد تمتد إلى خسائر العملاء، وتعطيل النشاط، والإضرار بسمعة المؤسسة، وإضعاف الثقة في المنظومة المالية.

وتقدم عملية Sentinel، التي نسقها الإنتربول سنة 2025، مثالين مهمين من القارة الإفريقية.

في السنغال، تعرضت شركة تعمل في قطاع النفط لعملية احتيال عبر اختراق المراسلات المهنية. وتمكن المجرمون من التسلل إلى الاتصالات الإلكترونية وانتحال هوية مسؤولين بهدف تمرير تحويل مالي احتيالي بقيمة 7.9 ملايين دولار أمريكي. وقد نجحت السلطات في إيقاف التحويل قبل سحب الأموال.

أما في غانا، فقد تعرضت مؤسسة مالية لهجوم ببرمجية فدية أدى إلى تشفير نحو 100 تيرابايت من البيانات. وقدرت قيمة البيانات المسروقة المرتبطة بالحادث بنحو 120 ألف دولار أمريكي، كما تسبب الهجوم في تعطيل خدمات أساسية. وأسهم التحليل التقني للبرمجية الخبيثة في تطوير أداة لفك التشفير، مكّنت من استعادة ما يقارب 30 تيرابايت من البيانات.

المصدر: الإنتربول، نتائج عملية Sentinel لمكافحة الجرائم السيبرانية في إفريقيا.

توضح الحالة الأولى أن الاحتيال المالي المتطور قد يتجاوز الإجراءات البشرية حتى دون استغلال ثغرة تقنية مباشرة في نظام الدفع. أما الحالة الثانية، فتبرز خطورة اختراق الأنظمة على توافر البيانات وسلامتها واستمرارية الخدمات.

وبالنسبة إلى موريتانيا، تبرز أهمية تعزيز المصادقة القوية، والفصل بين الصلاحيات، والتحقق المستقل من المعاملات الحساسة، ومراقبة العمليات غير المعتادة، وتأمين واجهات برمجة التطبيقات، وإنشاء نسخ احتياطية معزولة واختبارها دوريا، ووضع إجراءات واضحة ومنسقة للاستجابة للحوادث.

كما تؤكد هذه الوقائع أن الأمن السيبراني المصرفي لا يمكن معالجته على مستوى كل مؤسسة بمعزل عن غيرها. فالهجمات قد تشمل عدة دول ومؤسسات مالية ومزودي خدمات وبنى تحتية أجنبية، وهو ما يجعل التعاون بين السلطات والقطاع الخاص ضرورة استراتيجية.

العمليات الإقليمية تؤكد أهمية التعاون

تقدم العمليات الدولية لمكافحة الجريمة السيبرانية مؤشرات إضافية على اتساع نطاق التهديدات.

ففي عملية Sentinel سنة 2025، أسفرت التحقيقات عن 574 عملية توقيف في 19 دولة، وإزالة أكثر من 6,000 رابط ضار، وفك تشفير ستة أنواع من برمجيات الفدية. وبلغت الخسائر المالية المقدرة في القضايا المرتبطة بالعملية أكثر من 21 مليون دولار أمريكي.

كما أسفرت عملية Serengeti 2.0، التي نُفذت سنة 2025 بمشاركة دول إفريقية والمملكة المتحدة، عن توقيف 1,209 أشخاص، وتفكيك 11,432 بنية تحتية ضارة، واسترداد 97.4 مليون دولار أمريكي. وشملت التحقيقات نحو 88 ألف ضحية.

المصادر: الإنتربول، نتائج عمليتي Sentinel وSerengeti 2.0.

ولا ينبغي جمع نتائج هذه العمليات حسابيا مع التقديرات السنوية للخسائر دون مراعاة اختلاف الفترات الزمنية ونطاق التحقيقات. لكنها تثبت أن الشبكات الإجرامية تعمل عبر الحدود، وأن الاستجابات الوطنية المنفردة قد لا تكون كافية.

ويتمثل التحدي أمام موريتانيا في تعزيز قدرات التحقيق الرقمي، والتعاون القضائي، وتبادل المؤشرات التقنية للاختراق، وتنسيق الإنذارات بين المؤسسات. كما ينبغي تطوير الشراكات الإقليمية لتسهيل تحديد البنى التحتية الإجرامية وحفظ الأدلة الإلكترونية.

WARDIP وشبكة RIAD: من البنية التحتية الرقمية إلى المرونة الوطنية

يتيح برنامج WARDIP لموريتانيا فرصة مهمة لتعزيز منظومتها الرقمية. ففي يونيو 2025، عرضت الوزارة المكلفة بالتحول الرقمي إطارا عاما للأمن السيبراني يهدف إلى حماية البنى التحتية الرقمية، وتأمين البيانات الحساسة، وتعزيز ثقة المواطنين والشركات، مع العمل على تطوير قدرات وطنية للاستجابة للحوادث ومراقبة الأمن.

المصدر: الوكالة الموريتانية للأنباء، 12 يونيو 2025.

وفي 9 أكتوبر 2026، أعلنت الوزارة كذلك مبادرة تتعلق بإنشاء فريق للاستجابة للحوادث السيبرانية ومركز للعمليات الأمنية لشبكة RIAD.

المصدر: البوابة الرسمية لوزارة التحول الرقمي.

وتتكامل وظائف هذه الهياكل. إذ يتولى مركز العمليات الأمنية (SOC) مراقبة الأحداث الأمنية، وتحليل التنبيهات، والمساهمة في اكتشاف الأنشطة غير الطبيعية. أما فريق الاستجابة للحوادث (CSIRT)، فينسق التعامل مع الحوادث، ويساعد في معالجة الثغرات، ويدعم التعاون التقني بين الجهات المعنية.

وفي المقابل، تحتاج الدولة إلى سلطة وطنية للأمن السيبراني ذات اختصاصات قانونية واضحة، تتولى توجيه السياسة الوطنية، وتنسيق الجهات المعنية، وتعزيز اتساق المعايير والإجراءات.

ولا تكمن الصعوبة في إنشاء هذه الهياكل فحسب، بل في تحديد العلاقة بينها: كيف تبلغ الإدارات عن الحوادث؟ وكيف تنتقل التنبيهات؟ ومن يتخذ القرارات أثناء الأزمة؟ وكيف توزع المسؤوليات بين المؤسسات المدنية، والسلطات القضائية، والهيئات التنظيمية، وأجهزة الدفاع؟

فالهدف ليس مجرد تركيب معدات للمراقبة، بل بناء منظومة قادرة على الوقاية من الهجمات، وتقليل آثارها، واستعادة الخدمات الأساسية في أسرع وقت ممكن.

الإطار القانوني الموريتاني: قاعدة تحتاج إلى مزيد من التكامل

تمتلك موريتانيا مجموعة من النصوص القانونية المهمة لتنظيم المجال الرقمي، من بينها القانون رقم 2016-007 المتعلق بالجريمة السيبرانية، والقانون رقم 2016-006 المتضمن القانون الإطاري لمجتمع المعلومات، والقانون رقم 2017-020 المتعلق بحماية البيانات ذات الطابع الشخصي، والقانون رقم 2018-022 المتعلق بالمبادلات الإلكترونية.

توفر هذه النصوص أساسا قانونيا لمكافحة الجرائم الرقمية، وحماية البيانات، وتنظيم المعاملات الإلكترونية. غير أن تطور التهديدات يستدعي دراسة مدى تكاملها مع الاحتياجات الراهنة، خصوصا في ما يتعلق بحماية البنى التحتية الحيوية، والإبلاغ عن الحوادث، وحفظ الأدلة الرقمية، وتنسيق العمل بين المؤسسات.

ويمثل اعتماد مشروع المرسوم المتعلق بالوكالة الوطنية للأمن السيبراني والتصديق الإلكتروني في أبريل 2024 خطوة مؤسسية مهمة. ومع ذلك، ينبغي التحقق من النص النهائي المنشور، والاختصاصات القانونية النافذة للوكالة، ومستوى تشغيلها الفعلي قبل اعتبار إنشائها ودخولها حيز العمل أمرا محسوما.

فالوكالة الفعالة تحتاج إلى اختصاصات محددة، وكفاءات بشرية متخصصة، وموارد تقنية ومالية مستدامة، وآليات واضحة للتعاون مع المؤسسات الأخرى. كما يجب أن تعمل في إطار يحترم الحقوق الأساسية، ويحمي البيانات الشخصية، ويراعي الاختصاصات القانونية للجهات المعنية.

وعليه، لا تتمثل الأولوية في إنشاء هيكل إداري جديد فحسب، بل في ضمان قدرته على تنسيق الإجراءات العملية، وتقييم المخاطر، ومرافقة المؤسسات، والمساهمة في إدارة الأزمات.

فرنسا وتونس والمغرب: تجارب يمكن الاستفادة منها

تُظهر التجربة الفرنسية أهمية وجود سلطة متخصصة مثل الوكالة الوطنية لأمن نظم المعلومات (ANSSI)، التي تساهم في مرافقة الإدارات، ووضع المعايير الأمنية، والتعامل مع الحوادث، والاستعداد للأزمات الكبرى. وتبرز هذه التجربة قيمة وجود خبرة تقنية مؤسسية وآليات تنسيق بين الجهات المعنية.

المصدر: الوكالة الفرنسية لأمن نظم المعلومات.

أما تونس، فقد طورت منظومتها المؤسسية حول الوكالة الوطنية للأمن السيبراني، وعززت إطارها القانوني بالمرسوم بقانون رقم 2023-17 المتعلق بالأمن السيبراني. وتبرز تجربتها أهمية تحديد الاختصاصات القانونية بوضوح، ووضع مسؤوليات دقيقة وآليات للتنسيق بين الأنظمة المعلوماتية العامة والخاصة.

المصدر: وزارة تكنولوجيات الاتصال التونسية.

وفي المغرب، طُوّر إطار مؤسسي يضم المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI)، إلى جانب القانون رقم 05-20 المتعلق بالأمن السيبراني، مع التركيز على حماية الأنظمة الحساسة وتعزيز مرونة البنى التحتية الرقمية.

المصدر: المديرية العامة لأمن نظم المعلومات بالمغرب.

ولا يمكن نقل هذه النماذج إلى موريتانيا بصورة حرفية، لاختلاف الإمكانات والتنظيم الإداري والاحتياجات الأمنية. لكنها تؤكد أن الاستراتيجية المستدامة تقوم على التكامل بين القانون والمؤسسات والقدرات التقنية والتعاون والتكوين. ولذلك ينبغي لموريتانيا بناء نموذج يتلاءم مع واقعها الوطني وأولوياتها الاستراتيجية.

الذكاء الاصطناعي: مضاعف للمخاطر وأداة جديدة للدفاع

يغيّر الذكاء الاصطناعي أساليب عمل المجرمين السيبرانيين، إذ يسهل إنشاء رسائل احتيالية مقنعة، وأتمتة بعض العمليات، وانتحال الهويات، وإنتاج محتوى مزيف. وفي المقابل، يمكن استخدامه لمساعدة فرق الدفاع على تحليل الأحداث الأمنية واكتشاف الأنشطة غير الطبيعية بسرعة أكبر.

ووفقا لتقرير الإنتربول الإفريقي لعام 2026، ارتبط الذكاء الاصطناعي بنسبة 55 بالمائة من الجرائم السيبرانية المبلغ عنها ضمن نطاق الدراسة. ويجب فهم هذه النسبة في سياق منهجية التقرير، لا باعتبارها تقديرا شاملا لجميع الهجمات السيبرانية في القارة.

ويفرض هذا التطور على المؤسسات الحكومية والمالية اعتماد حوكمة صارمة لأنظمة الذكاء الاصطناعي، تشمل ضبط الصلاحيات، وحماية البيانات، وتسجيل العمليات، والمراجعة البشرية للقرارات الحساسة، وتقييم مخاطر مزودي التكنولوجيا.

ولا تعني السيادة الرقمية بالضرورة تطوير جميع التقنيات محليا، بل تعني فهم الأنظمة المستخدمة، والسيطرة على المخاطر المرتبطة بها، والتحكم في الوصول إلى البيانات، والحفاظ على قدرة الدولة على اتخاذ القرارات والتصرف عند وقوع الأزمات.

بناء نموذج موريتاني قائم على الوقاية والتعاون

يمكن لموريتانيا تحويل مبادراتها الرقمية الحالية إلى سياسة وطنية مستدامة للأمن السيبراني. ويتطلب ذلك توضيح الوضع القانوني للسلطة الوطنية المزمع إنشاؤها واختصاصاتها، وتعزيز قدرات فريق الاستجابة ومركز العمليات الأمنية، وتحديد البنى التحتية الحيوية، وإنشاء آليات للتعاون بين الإدارات وشركات الاتصالات والمؤسسات المالية والجهات المختصة بالأمن الوطني.

كما ينبغي الاستثمار في الكفاءات الوطنية، وتنظيم تمارين محاكاة للأزمات، وإجراء التدقيق الأمني، وإدارة الثغرات، وتطوير التحقيقات الرقمية. ويمكن للشراكات الدولية أن تسهم في هذه الجهود إذا اقترنت بنقل المعرفة وتطوير خبرات وطنية قادرة على الاستمرار.

ومن الضروري أيضا تطوير مؤشرات وطنية دقيقة لفهم واقع التهديدات، تشمل عدد الحوادث المؤكدة، وأنواع الهجمات، ومتوسط زمن اكتشافها ومعالجتها، والخسائر المالية الموثقة، وتسريبات البيانات المثبتة، والقطاعات الأكثر تعرضا للمخاطر.

وحتى الآن، لا تسمح المصادر العامة التي تمت مراجعتها بتحديد رقم وطني موحد وموثوق للخسائر الناتجة عن الهجمات السيبرانية أو تسريبات البيانات المصرفية في موريتانيا. وهذا النقص في البيانات يعزز الحاجة إلى آليات وطنية لجمع الإحصاءات وتصنيفها ونشرها، مع احترام السرية ومتطلبات التحقيق.

الخلاصة: السيادة الرقمية تُبنى قبل وقوع الأزمة

تؤكد البيانات الإفريقية والحوادث المصرفية الموثقة في السنغال وغانا ونتائج العمليات الدولية لمكافحة الجريمة السيبرانية أن التهديدات الرقمية قد تؤدي إلى عواقب اقتصادية ومؤسسية كبيرة.

وبالنسبة إلى موريتانيا، يمثل برنامج WARDIP والمبادرات المرتبطة بشبكة RIAD فرصة لتعزيز قدرات الكشف والاستجابة وحماية البنى التحتية. ويمكن لإنشاء سلطة وطنية للأمن السيبراني وتفعيلها، وفقا للإطار القانوني النافذ، أن يمنح هذه الجهود رؤية استراتيجية متكاملة.

وتؤكد التجربة المهنية حقيقة أساسية: لا يكون النظام آمنا فعليا إلا عندما تعمل التكنولوجيا والإجراءات والكفاءات والمسؤوليات بصورة متكاملة. ويمكن لتجارب فرنسا وتونس والمغرب أن تغني النقاش الوطني، دون أن تعفي موريتانيا من بناء نموذج يتناسب مع احتياجاتها الخاصة.

لم يعد الأمن السيبراني مجرد مسألة تقنية، بل أصبح ركيزة من ركائز سيادة الدولة، وثقة المواطنين، واستقرار القطاع المالي، واستمرارية الخدمات الأساسية.

إن أمام موريتانيا فرصة لتحويل هذا التحدي إلى أولوية وطنية، من خلال استباق التهديدات، وحماية البنى التحتية، وتطوير الخبرات المحلية، وتعزيز التعاون الإقليمي. فالأفضل من انتظار الأزمة هو بناء القدرات اللازمة لمنعها، واحتواء آثارها، واستخلاص الدروس منها قبل وقوعها.

المراجع الببليوغرافية والوثائقية

أولا: التقارير والبيانات المتعلقة بالتهديدات السيبرانية في إفريقيا

الإنتربول. (2026). تقرير تقييم التهديدات السيبرانية في إفريقيا لعام 2026. يتناول التقرير الخسائر المالية المرتبطة بالجرائم السيبرانية ودور الذكاء الاصطناعي.

https://www.interpol.int/News-and-Events/News/2026/INTERPOL-report-finds-AI-linked-to-more-than-half-of-cybercrime-in-Africa

الإنتربول. (2025). تقرير تقييم التهديدات السيبرانية في إفريقيا لعام 2025.

https://www.interpol.int/content/download/23094/file/INTERPOL_Africa_Cyberthreat_Assessment_Report_2025.pdf

الإنتربول. (2025). نتائج عملية Sentinel لمكافحة الجريمة السيبرانية في إفريقيا.

د

https://www.interpol.int/en/News-and-Events/News/2025/574-arrests-and-USD-3-million-recovered-in-coordinated-cybercrime-operation-across-Africa

الإنتربول. (2025). نتائج عملية Serengeti 2.0.

https://www.interpol.int/News-and-Events/News/2025/African-authorities-dismantle-massive-cybercrime-and-fraud-networks-recover-millions

ثانيا: النصوص والمبادرات في موريتانيا

الوكالة الموريتانية للأنباء. (2024، 22 أبريل). بيان مجلس الوزراء بشأن مشروع إنشاء الوكالة الوطنية للأمن السيبراني والتصديق الإلكتروني.

https://www.ami.mr/

الوكالة الموريتانية للأنباء. (2025، 12 يونيو). عرض الإطار العام للأمن السيبراني في موريتانيا.

https://www.ami.mr/archives/230968

وزارة التحول الرقمي وعصرنة الإدارة. (2026، 9 أكتوبر). المبادرة المتعلقة بفريق الاستجابة للحوادث ومركز العمليات الأمنية لشبكة RIAD.

https://mtnima.gov.mr/fr/

الجمهورية الإسلامية الموريتانية. القانون رقم 2016-007 المتعلق بالجريمة السيبرانية؛ والقانون رقم 2016-006 المتضمن القانون الإطاري لمجتمع المعلومات؛ والقانون رقم 2017-020 المتعلق بحماية البيانات ذات الطابع الشخصي؛ والقانون رقم 2018-022 المتعلق بالمبادلات الإلكترونية.

ثالثا: المراجع المؤسسية الدولية

فرنسا: الوكالة الوطنية لأمن نظم المعلومات (ANSSI).

https://cyber.gouv.fr/

تونس: وزارة تكنولوجيات الاتصال.

https://www.mtc.gov.tn/

المغرب: المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI).

https://www.dgssi.gov.ma/

ملاحظة منهجية

ينبغي تفسير الأرقام وفقا لنطاق كل دراسة وفترتها الزمنية ومنهجية جمع البيانات. فالخسائر المقدرة، وعدد الضحايا، وعمليات الكشف التقني، والحوادث المؤكدة مؤشرات مختلفة لا يجوز التعامل معها باعتبارها متكافئة. كما ينبغي التحقق من الروابط والمراجع والوضع القانوني للنصوص قبل اعتماد النسخة النهائية للنشر.

ثلاثاء, 13/10/2026 - 20:50