إِذَا تَبَاهَتْ أَعْصَارُ المِلَلِ بِفُصَحَائِهَا، وَتَفَاخَرَتْ رِجَالَاتُ الزَّمَنِ بِبُلَغَائِهَا، شَخَصَتْ الأَبْصَارُ نَحْوَ المَنَارَةِ الأَسْمَى، حَيْثُ يُصَاغُ المَجْدُ شِيَمًا، وَيَتَحَوَّلُ النُّبْلُ مَشْرَبًا وَعَلَمًا. إِنَّ بَعْضَ السِّيَرِ لَيْسَتْ سَرْدًا لِأَيَّامٍ خَالِيَةٍ، بَلْ هِيَ مَعَالِمُ بَيَانٍ يُسْتَدَلُّ بِهَا، وَأَقْبَاسُ هُدًى تُسْتَعَارُ مِنْ مَشْكَاةِ كَمَالِهَا. وَمِنْ هَذِهِ المَعِينِ التَّلِيدِ الَّذِي طَابَ مَوْرِدُهُ، وَزَكَا مَحْتِدُهُ، نَشْرَعُ نَوَافِذَ القُلُوبِ لِنُجَالِسَ رَجُلًا تَهَادَتْ فِي مَنَاكِبِهِ العُلُومُ، وَانْقَادَتْ لِفِكْرِهِ الشَّوَارِدُ، فَكَانَ حَيْثُمَا حَلَّ مَحَطَّ النِّظَارِ، وَمَحْرَبَ الوَقَارِ.. فَهَلُمُّوا نَسْتَنْطِقُ مَعًا رَوَائِعَ الحَيَاةِ فِي سِيرَةِ الأُسْتَاذِ المَجِيدِ: أَحْمَد حَامَدْ ولد حَمْدَيت
أحمد حامد ولد حمديت قَبَسُُ شَنْقِيطِي بَاذِخ يَسْتَمِدُّ سَنَاهُ مِنْ مَجْدِ "تَنْدَغَة" العَرِيقَة
تِلْكَ القَبِيلَة المِعْطَاءَة الَّتِي صَاغَتْ تَارِيخَ هذه الأَرْض بِالعِلْمِ، وَالوَرعِ وَالسُّلْطَةِ الأَدَبِيَّةِ وَالزَّمَنِيَّةِ الرَّفِيعَة.
هُوَ سَلِيلُ بَيْتِ الرِّئَاسَةِ وَالعِلْمِ فِي أَهْلِ حَمْدَيْتْ، والرَّجُلُ الَّذِي تَجَسَّدَتْ فِيهِ شِيَمُ الأَمَاجِدِ حَيْثُ تَلْتَقِي فِي شَخْصِهِ مَهَابَةُ الرَّأْيِ الحَصِيفِ بِحِنْكَةِ الرَّجُلِ المَسْؤُولِ الرَّصينِ
وَمِنْ حِيَاضِ "مَحْظَرَةِ أَهْلِ يَحْظِيهِ وَلَد عَبْدِ الوَدُودِ" الأكاديمية اللغوية الأبرز في تاريخ الشناقطة التي خرّجت أجيالا صاغت الهُوُية الأدبية والعلمية لأرض الرِّباط من حياض هذه المحظرة ارْتَوَى أحمد حامد مِنْ نَبْعِ الضَّادِ فَنَهِلَ عُلُومَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ العربية وَالمَنْطِقِ وَالبَديع عَلَى سَنَنِ جَهَابِذَةِ الشَّنَاقِطَةِ الأَوَّلِينَ حَتَّى اسْتَقَامَ لِسَانُهُ عَلَى البَلَاغَةِ وَتَشَرَّبَ بَيَانُهُ أَسْرَارَ الفَصَاحَةِ وَالعَرَاقَةِ.
وَبَعْدَ رِحْلَتِهِ المَحْظَرِيَّةِ العَامِرَةِ، الْتَحَقَ بِسِلْكِ التَّعْلِيمِ النِّظَامِيِّ لِينضم لاحقا للأسْرَةِ التَّرْبِوية مُدَرِّسًا قَدِيرًا يَزْرَعُ القِيَمَ وَيَبْنِي العُقُولْ لِيَنْتَقِلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِكِفَاءَتِهِ المَشْهودَةِ إِلَى مَيَادِينَ العَطَاءِ الرَّسْمِيِّ، حَيْثُ تَقَلَّدَ مَنَاصِبَ سَامِيَةً فِي هَرَمِ الدَّوْلَةِ المَوْرِيتَانِيَّةِ.
وَلَمْ يَكُنْ عُبُورُهُ فِي تِلْكَ المَحَافِلِ الإِدَارِيَّةِ عُبُورًا عَابِرًا بَلْ كَانَ نَقْشًا سِرْيَانِيًّا عَلَى جِدَارِ الذَّاكِرَةِ حَيْثُ كَانَ لَهُ دَوْرٌ مِحْوَرِيٌّ وَرِيَادِيٌّ فِي وَضْعِ اللَّبِنَةِ الأُولَى لِلْمَسَارِ السِّيَاسِيِّ فِي البِلَادِ، فَوَجَّهَ بَوْصَلَتَهُ بِفِكْرِهِ الثَّاقِبِ وَرُؤْيَتِهِ السَّدِيدَةِ، وَقَادَ المَشْهَدَ بِصَمْتِ الحُكَمَاءِ وَصَدْعِ الفُرْسَانِ بِالحَقِّ.
وَلَمْ تَقْتَصِرْ رِيَادَتُهُ عَلَى مَيَادِينَ السِّيَاسَةِ وَالإِدَارَةِ فحسب بَلْ كَانَ سَادِناً أَمِيناً لِلتُّرَاثِ وَبَاحِثاً مُعَمِّقاً فِي تِلَادِ المَعْرِفَةِ الشَّنْقِيطِيَّةِ حَيْثُ سَخَّرَ فِكْرَهُ الحَصِيفَ لِنَبْشِ كُنُوزِ المَخْطُوطَاتِ وَإِحْيَاءِ مَآثِرِ السَّلَفِ، فَأَصْبَحَتْ لَهُ اهْتِمَامَاتٌ عِلْمِيَّةٌ وَثَقَافِيَّةٌ رَاسِخَةٌ، جَعَلَتْ مِنْهُ مَرْجِعاً يَسْتَنِيرُ بِهِ طُلَّابُ المَعْرِفَةِ وَحُمَاةُ الهُوِيَّةِ الأَصِيلَةِ.
وَمِنْ نَبْعِ هَذَا المَقام الباذخ يَتَجَلَّى الأُسْتَاذُ أَحْمَدُ حَامَدْ فِي مَجَالِسِ قَوْمِهِ وَفِي دَوَائِرِ الدَّوْلَةِ كَمَا تَتَجَلَّى النَّخْلَةُ البَاسِقَةُ وَالغَيْمَةُ المَاطِرَةُ بِالخَيْرِ وَالحَنَان أَغْصَانُهُ مُثْمِرَةٌ بِالعَطَاءِ وَالوِدَادِ الرُّوحِيِّ فَلَا تَزِيدُهُ المَنَاصِبُ إِلَّا تَوَاضُعًا، وَلَا تَمْنَحُهُ الأَيَّامُ إِلَّا رِفْعَةً وَوَقَارًا.
رَجُلٌ تَجْتَمِعُ فِيهِ رِقَّةُ الأَدِيبِ وَصَرَامَةُ الرَّجُلِ المَجِيدِ، فَيَبْقَى حَيْثُمَا حَلَّ صَافِيَ السِّيرَةِ، طَيِّبَ السَّرِيرَةِ، كَأَنَّهُ المِسْكُ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ الزَّمَانُ زَادَ عَبِيرُهُ شَرَفًا وَأَرَجًا.
وَصَفْوَةُ القَوْلِ فِي هَذَا الرجل المجيد أَنَّ نَسَبًا شُيِّدَ فِي حِمَى "تَنْدْغَة" وَتَرَعْرَعَ فِي رِيَاضِ أَهْلِ حَمْدَيت، لَا يُمْكِنُ لِلأَيَّامِ إِلَّا أَنْ تَحْفَظَهُ سِفْرًا خَالِدًا مِنَ المَجْدِ الأَثِيلِ وَالسُّؤْدَدِ الجَمِيلِ. فَقَدْ ظَلَّ الأُسْتَاذُ أَحْمَدْ حَامَدْ طَوَالَ مَسِيرَتِهِ شَامَةً بَيْضَاءَ تُزَيِّنُ جَبِينَ وَطَنِهِ، وَصُورَةً مُشْرِقَةً لِلأَصَالَةِ الَّتِي لَا تُبْلِيهَا العُصُورُ، لِيَبْقَى ذِكْرُهُ غَيْثًا يَهْمِي بِالمَحَامِدِ، وَنَجْمًا يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ طَالِبِ رُسُوخٍ وَعِزٍّ وَنُبْلٍ وَكَرَامَةٍ وَشُمُوخْ
قدجِئتُ أشْدٌو في حِمَى الأشْرافِ
شمِّ الأُنوفِ مُوَّطَئِي الأكْنافِ
من آل حَمْدَيْتِ الكرامِ أُوْلِي النُّهَى
جَلَّتْ فضائلهم عن الأوْصافِ
وبِتندغِ الأخْيارِ طابَ نباتُهم
وسُقُوا مَعينَ المَكْرُماتِ الصافي
قَدْسَارَ أحمدُحامدُُنحو العُلا
فأعادمَجْدَجُدودِه الأسْلافِ
يمشي وعِزُّ النفسِ يَحْرُسُ خَطْوَهُ
كالبَدْرِ يَمْخَرُ حاجِزَ الأَسْدافِ .
